Thursday, 4 October 2012

لا للياقه


مدفوعة بشوقي وحنيني للوطن قررت ظهر اليوم أن أطهو "ملاح نعيمية"، وهومشروع يستغرق مني ساعة وبضع دقائق، ذرفت فيه الدموع و لم أسلم من جرح هنا وتشة هناك.وأخيراً بعد أن توجت حلمات لساني مشروعي بالنجاح بقيت اللمسة الأخيرة "ملايقة " الملاح بمعلقة ويكة، هذا البهار سوداني الصنع والاستعمال. اضفت المسحوق الترابي وبقدرة قادر تحول مشروعي الصغير إلى نسيج لزج يتمطى ما بين فمي والحلة مروراً بمعلقتي ! ووجدتني في حيرة من أمري ، يا ربي اشفطه كلو ؟ أقصه؟ وسألت نفسي لماذا أصر المرة تلو الأخرى على إفساد ملاحي بالويكة؟ لماذا تصر أمي على تهريبه لي عبر الحدود؟ بل لماذا تتكبد خديجة أو عشة عناء تجفيفه وسحنه ؟ ... انها اللياقة !

معلقة واحدة فقط من اللياقة أفسدت علي مجهود ساعة كاملة. وأنا على يقين تام بأني سأضيفها إلى جميع ملحاتي المقبلة وإلا فلن تكون ملاحاتي سودانية أصيلة. فالياقة مكون أساسي في تركيبتنا السودانية نعتز بها ونحملها معنا اينما حللنا، فالصابون لوكس والمعجون سيجنال والعربية كورولا والجامعة الخرطوم والإبن الأكبر طبيب والاغتراب في السعودية والبيت بالخرسانه المسلحة.
ولازال قلبي يرقص طربا وتستبشر أساريري كلما لمحت عيناي جكت بدلة "blazer" مفصلة خصيصاً على طراز الخمسينات تطوف بالشوارع الأوروبية. فمن غير أهل بلادي الطيبون الولفون يرتدي بدلة توقفت المصانع عن انتاجها منذ نصف قرن.
كم هي لطيفة هذه الهوية السودانية عزيزة النفس لايوقه المتطلبات . هذه الهوية التي لا تزعزعها معضلات الحياة ولا مغرياتها. كم نحب أن نحجبها ونحميها من أي بادرة تغيير. أذكر قصة صديقة عزيزة إذ راودتها نفسها على إرتداء نظارة شمسية منذ بضع سنوات فوجدت أخاها لها بالمرصاد فهو لا يحتمل أن تتهم أخته بالجرأة على التغيير!
ثم تأخذ اللياقة منعطفاً خطيراً في حياتنا الاجتماعية . نجدها في بيوت البكيات إبتداء بنياصة النسوان وإنتهاء بخدمة الضيفان. نجدها نهار العيد الذي ينتهي دوماً بعسر في الهضم كنتيجة طبيعية لأطنان الخبيز والحلوى التي لا نجرؤ على ردها كلما قدمت لنا. نجدها في الخسائر الفادحة التي يتكبدها اهل العرسان والتي تبلغ حد المديونية لاخراج الحدث بالصورة المتعارف عليها.

وتتجلى أقبح أشكال اللياقة السودانية في حياتنا السياسية. وكضرب من ضروب اللياقة لن أمنع نفسي من الاستطراد في هذا الموضوع الملتوت المعجون. تبدأ اللياقة السياسية بأفراد يجتمعوا ليناقشوا نفس المواضيع عن نفس الاشخاص في نفس الأحزاب. ثم نفس الأحزاب تتنازع حول نفس القضايا وبنفس القيادات. حتى نصل إلى دوره حياتنا السياسية التي تبدأ وتنتهي بإنقلاب عسكري تتخلله محاولات ظهور خجله لحكومات ديمقراطيه بقيادات دكتاتورية!
فما الحل ؟ الحل في تقديري أن نتبنى ثقافة "القطع":
- إذا كنت تكره أن يمتد السلام أمام باب الشارع إلى أن يشاء الله قول مع السلامة وأمشي ...
-  إذا كنت تكرهين أن يستوقفك صبي في سن ابنائك ليقيم مدى إحتشام هندامك لا تتوقفي ...
- إذا كنتم تكرهون أن تظلموا وتقهروا وتشردوا فبدلوا...
نحن في حاجه للتخلي عن معلقة اللياقة التي تجرعناها جميعاً إلى أن سيطرت على كل مناحي حياتنا حتى حواراتنا اليومية . فكم هي مؤلمة تلك العبارة المتداوله بيننا "السودانيين ديل". ليس هناك ما هو أبشع من أن يتهم مواطن سوداني أخاه بالسودنة وكأنه يتبرأ منها ويدينه بها في جملة واحدة. بل يتطاول إلى إحباط همة المتلقي بعبارات على شاكلة "السودانيين ديل ما منهم فايدة". 

لا بأس في ان نعتز بهويتنا ذات المسلمات الواضحة حتى في ادق التفاصيل، ولكن هناك بعض المفاهيم التي لا تحتمل اللياقه والتغيير فيها ضرورة. لنعيد تقييم مسلماتنا ونستثمر الطاقة المهدرة في التنظيروالتوبيخ بتوجيهها نحو التفعيل، فجميعنا يعلم أن "الحداث ما سواي"، وليبدأ كل منا بنفسه أولاً. لسنا مطالبين بأن نعلن الجهاد ونعتزل الحياة لنؤدي واجبنا تجاه الوطن، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها وهو تكليف رحيم ولكنه عظيم بنفس القدر. ولنبدأ بخطى صغيرة. نقدم ماهو متاح بين ايدينا ولا نستصغر، فكلمة طيبة قد تلهم من هو أقدر منك على التغيير


أما عن لياقتنا تجاه السودان، فغداً صباحاً حين تلتقي أول مواطن سوداني بادره بالسؤال "كيفك أنت مع البلد دي" عوضاً عن "كيف البلد دي معاك" .. ماذا قدمت للسودان اليوم ؟!

2 comments:

  1. gad kalam gameel ya marwa mahalah,o gad gad mo3abir shadeed, o momti3 shadeed.more more.

    ReplyDelete
  2. وضعيت يدك علي جرح اجتماعي قل مايتاوله الناس بالحديث .. ويمرون من خلاله مرور الكرام ..هنالك الكثير من السلبيات في تكون شخصيتنا السودانية ومع ذلك نتناقلها من جيل الي جيل ونتعايش معها ..اما أن الاوان للثورة عليها واحداث تغيير يقود مجتمعانا الي الافضل

    ReplyDelete