Monday, 17 September 2012

باللون الرمادي

"خير الامور أوسطها"..  لطالما كانت تؤرقني تلك المساحة بين التطرف و اللامبالاة ، بين العملقة و القزمنة، الأبيض و الأسود. هناك أريد أن أعيش، في ظلال اللون الرمادي، فهناك يكمن الحل. و هو لون لو تعلمون عظيم ! يتسع للجميع، منه الفاتح  و الغامق،  الشفاف و القاتم، المحمر و المخضر و المزرق ...
"خير الامور أوسطها" ياله من تحد !
 كان الرسول صلى الله عليه وسلم وسطاً في كل شئ حتى هيئته فلم يكن بالقصير ولا بشديد الطول بل متوسط القامة، لم يكون شديد البياض ولا السواد بل أسمر البشرة، لم يكن سريع الحديث ولا بطيئه بل معتدل، لم يكن أبيض ولا أسود انما معتدل ثم معتدل ثم معتدل.   أرسل في أمة وسط ليعلمهم الاعتدال ففشلوا في ذلك و نجح الأخرون.  
امضيت بضعة اعوام و أنا أعيش في الغرب بين الخواجات في مساحة واسعة من الرمادي. قد تختلف درجاته ولكنه يبقى رمادي، لسنوات لم أرى غناء فاحش أو فقر مدقع، لا استطيع وصفهم بحدة الذكاء أو الغباء ولا  شدة الإنسانية أو قلتها و لهذا اغبطهم! رأيت ولاد بلدي بينهم يشارلهم بالبنان. لازلت أذكر حينما سألني سائق التاكسي عن جنسيتي فأجبته بأني سودانية فقال بعفوية شديدة "oh you are a doctor" .. و أنا لست طبيبة. كم أثلجت صدري هذه الجملة، كم نحن عظماء ! 
فما بال عمالقة بلادي يحكمهم أقزام ؟ لا أجد إجابةً لذلك السؤال سوى أن التطرف يولد التطرف. فنحن شعب متطرف في العملقة، متسامح حد السذاجة و قنوع حد الامبالاه. وهو ليس بالأمر الغريب فزيادة المعرفة  مقرونة بزيادة الحكمة، والحكيم لا يسعى طوعاً لتحمل عبء الادارة ووطأة المسؤولية بل يكتفي ب-"الحمد لله رضى". فهو يعلم بضرورة الحال  ما خلف ستار الزعامة من عذاب و سهر ليالي . انما الغريب الامعان في هذا ال-"أتتيود" حتى تفشى فينا كخلية سرطانية. لازلنا نبحث عن اللون الأبيض الناصع حيث مبلغ همنا أن نخرج من الدنيا كفافا حتى تحولنا إلى كتلة من عديمي اللون و النكهة، نرضع ابناءنا التخاذل و السلبية و نحقنهم ب- "جناً تعرفو ولا جناً ما بتعرفو" و "العايز تهريه أسكت خليه " حتى اهترأت قلوبنا بهذا الترفع الزائف و تركنا الجمل بما حمل تحت رحمة  الأقزام.
وكما تطرف أولئك في المعرفة والقناعة تطرف هولاء في الجهل والطمع حتى خيل اليهم أن "طيشة حنتوب"  بمقدورهم تسيير جيش جرار من الرقاصين لتحرير أمريكا! فأنا لا اعتب على هؤلاء جهلهم فقد بلغ منهم مبلغه حتى يخيل إلي أنهم يستغيثون بمن ينتشلهم منه.  و انما استعجب لذوي العقول البيضاء الذين يصرون على التخاذل ويتركون أمرهم لهذا السواد الدامس.
  يسرقنا حكامنا ويجوعونا فنطردهم ثم نستقبلهم إستقبال الأبطال. يدعون التكليف من الله و رسوله فنمجدهم و نسجل كذبهم في كتب التاريخ. يقسمون بلادنا و يقتلون ابناءنا ثم نقول أحسن من غيرم و البديل منو!
 البديل لن يقدم لنا على صحن من فضة و انما نقتلعهم إقتلعاً و نصنعه صناعة . البديل فينا نحن رماديو الهوية بجميع أطيافنا الفاتح و الغامق، المحمر و المزرق. أطباء، مهنسون، معلمون، محامون، وعمالاً. اباء وأمهات ، أبناء و بنات ، مشردون و مشردات، مقهورون و مقهورات، حاضرون و غائبات، مجاهدون ومناضلات. نحن من لم يجد سواد الجهل طريقاً إلينا و لم يجهرنا بياض الاستسلام. نحن نملأ هذه الهوة ألان ألان وليس غداً ...                  

1 comment:

  1. لا شك ان هنالك صله وثيقه بين العمارة والفن و ان حاول البعض إضفاء صفة الهندسة على فن العمارة طلبا للرفعة و هم بذلك يجردون العماره من اهم صفاتها وهي الجمال فلا جمال في الهندسة لبعدها عن الخيال و قد عبر عن ذلك البروفيسور عبد الله الطيب بمقولته الشهيرة ( الجامعة آداب و ما سواها حرف و مهن) ، كذلك من الجميل ان يكون لنا اهتمام غير المهنة ، عودة الي مضمون المقال و الوسطية فمن المتعارف عليه ان اللون الرمادي يرمز لعدم الوضوح او السلبية لكن ليس للوسطية باي حال من الأحوال و هو عادة ما يستعمل للدلاله على المواقف غير الواضحة ( أهلنا بقول ما تبقى رقراق أبقى يا ضل يا شمس) اي اما ابيض او اسود اللون ولا داعي للمواقف الضبابية، كذلك الرسول صلي الله عليه و سلم كان لونه ارض مشرب بالحمرة اثر عن سيدنا علي انه كان اسمر اللون، و ان كان القصد من ذلك الاستدلال على الوسطية ، الوسطية التي و جديتها انت في الغرب صميم هي من صميم الدين الاسلامي الذي لم يبقي منه غير القشور فقد جعلها الغرب منهج لحياته و صرنا نحن نتشدق بها و ننسبها زورا لأنفسنا و نصم بلاد الغرب بالكفر و الضلال والواقع انهم قد استلهموا روح الاسلام عدل و مساواة اما نحن فوقنا من ذلك موقف المتفرج نتترس وراء مقولات جوفاء ( الخروج على الحاكم حرام لما فيه من هدر للأرواح و ضياع و فساد لحياة الناس) ناسين او متناسين اننا بذلك قد أضعنا أمة كاملة كانت في مقدمة الامم فصارت على حالة يرثى لها، لا اريد الحديث في السياسة فن حن شعب مسيس اكثر مما ينبغي، ولا انصح الكاتبة بالدخول الي عالم الكتابة السياسية فلها في الاستاذ حسين خوجلي عبر فما اجمل حديثه بعيد عن السياسة خصوصا وقد قرات للكاتبة مقال سابق ينم عن ذوق رفيع ، كذلك أعيب على الكاتبة استخدامها لبعض الكلمات الإنجليزية (أتيت تيتو) فباللغة العربية ما يغنيها عن غيرها،و بحديثك عن الموروث الثقافي السوداني و الذي يغزي السلبية و يلغي اهم صفات الانسان و هي ان الانسان كائن مجتمعي فان ذلك يحتاج الي جهد كبير لتبديل (راكوبة أبوك كان خربت شيل ليك منها شيله) الى ( ايد على ايد تجدع بعيد) ، فالمشوار طويل و يحتاج الي عزيمه قوية و وقوف في وجه الذين يدعون الحكم باسم الله ، تلك أمة قد خلت و اتمنى ان يعي الشعب السوداني الدرس فالمؤمن صديق لكنه لا يلدغ من جحر واحد مرتين، و بالتوفيق....
    بعدين طيش حنتوب كان نميري ما(الرقاص)

    ReplyDelete